عبد الفتاح عبد المقصود
61
في نور محمد فاطمه الزهراء
المادّة وانحلالها التي تربطهم بالأرض ، وتشدّهم إلى الوحل ، وتحرمهم القدرة على التحليق في السماوات ؟ بلى ، قد كان ! * * * كان على عدّةٍ من القدر أن تهتدي بديهته اللماحة إلى الحقيقة المطلقة الربانية ليهدي إليها البشرية ، كان يجاهد النفس ، وأفكار البيئة ، وركام الماضي ، وتحجّر القلوب والعقول ، ليفتح الطريق إلى الإيمان . كان يعمل ليكون ، فبغير العمل لا يقوم كيان . فما كان هذا العمل ليعجز من أخلص النيّة فعمل ، ولا الطريق خفيّاً على من شاء طروقه ، أيّ إنسانٍ كان ، في أيّ مكانٍ ، في أيّ زمان . ما كان بعيداً قطّ عمّن أراد الارتياد ، فكلّ ذي بصيرةٍ يراه . والفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها أجمعين ، مجازٌ إليه قصير ، ممهود ميسور . واللَّه - رحمةً بخلقه - كان لا يفتأ ، منذ أنشأهم ، يذكرهم به ، ويعاود التذكير . كان سبحانه يرغّب ويرهّب ، يبشّر وينذر ، يدعو ويأمر ، يعتب ويزجر . فهل أغنت النذر ؟ * * * القلوب الغلف أغفلت الذكر ، خالفت الأمر ، تلهّت عن الزجر ، حادت عن سِراط « 1 » النور ، كمثل الخفافيش والبوم والهوام ، آثرت أن تعيش في الظلام . ثم استمرأت « 2 » الغيّ ، ثم قست ، ثم نسيت اللَّه . وعندما انطلق « الأمين » ذلك النهار من جمادى ، منذ أربعة عشر قرناً ، يغادر
--> ( 1 ) . السِراط : السبيل الواضح ، ويقال : إنّها معرّب ستراتا اللاتينية ، ومعناها الطريق المعبّدة المبلّطة . ( 2 ) . مرأ الطعام فلاناً : إذا طاب له ونفعه ، ومرأ مراءةً الطعام : صار مريئاً وساغ من غير غصص .